ملخص لخطاب جيروم باول وقرار الفيدرالي الأمريكي – إعداد: الخبير الاقتصادي محمد قيس عبدالغني
الأربعاء 28 يناير 2026
أولاً: قرار الفائدة وملخص بيان الفيدرالي
الخبر: قررت لجنة السوق المفتوح الفيدرالية تثبيت النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند 3.50% – 3.75%، مع الإشارة إلى أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة «قوية»، وأن مكاسب الوظائف ما تزال «منخفضة»، بينما أظهر معدل البطالة «بوادر استقرار»، في وقت ما يزال فيه التضخم «مرتفعاً إلى حدٍّ ما»، مع بقاء حالة عدم اليقين تجاه الآفاق الاقتصادية «مرتفعة».
التحليل والتأثير المحتمل: هذه الصياغة تعني عملياً أن الفيدرالي اختار «إدارة المخاطر» بدل مطاردة ردّ فعل السوق: لا يريد أن يعلن انتصاراً مبكراً على التضخم، ولا يريد أيضاً أن يدفع سوق العمل إلى تدهور أسرع. النتيجة المتوقعة: تسعير السوق سيظل حساساً لأي مفاجأة في التضخم والوظائف، مع بقاء التذبذب هو “الوضع الافتراضي” للدولار والأصول عالية الحساسية للفائدة.
الخبر: البيان شدد على أن «توقيت وحجم أي تعديلات لاحقة» سيعتمدان على البيانات الواردة، وتطور النظرة المستقبلية، وميزان المخاطر، مع تأكيد الجاهزية لتعديل موقف السياسة النقدية إذا ظهرت مخاطر تعيق تحقيق أهداف التوظيف واستقرار الأسعار.
التحليل والتأثير المحتمل: هذا هو جوهر “الإدارة بالبيانات” وليس “الإدارة بالتوقعات”. أي محاولة لبناء سيناريو واحد ثابت لمسار الفائدة ستكلف المتداولين كثيراً. الرسالة: الفيدرالي لن يمنح السوق “خارطة طريق”، بل سيمنح “نقاط تفتيش” شهرية عبر بيانات التضخم وسوق العمل والإنفاق.
الخبر: القرار جاء بتصويت منقسم (10 مؤيدين للتثبيت مقابل 2 معارضين)، حيث فضّل عضوان خفض الفائدة بربع نقطة مئوية في هذا الاجتماع.
التحليل والتأثير المحتمل: انقسام التصويت يكشف أن النقاش داخل اللجنة حيّ فعلاً، وليس مجرد إجماع شكلي. وهذا عادةً يضيف “علاوة تذبذب” للأسواق: لأن أي بيانات مفاجئة قد تقلب ميزان الأصوات بسرعة من تثبيت إلى خفض، أو العكس.
ثانياً: أبرز رسائل جيروم باول في الخطاب والمؤتمر الصحفي
الخبر: باول أكد أن الاقتصاد دخل 2026 “على أرضية قوية”: إنفاق المستهلكين كان مرناً، والاستثمار الثابت للشركات واصل التوسع، بينما بقي قطاع الإسكان ضعيفاً. كما أشار إلى أن الإغلاق الحكومي المؤقت ضغط على نشاط الربع السابق، ويتوقع أن تنعكس آثاره إيجابياً مع عودة النشاط.
التحليل والتأثير المحتمل: هذه رسالة “لا داعي للاستعجال”. طالما النمو لم ينكسر بوضوح، سيظل الفيدرالي متحفظاً تجاه أي تخفيف سريع. ما يعني أن الرهانات على خفض وشيك تصبح رهانات عالية المخاطرة ما لم تدعمها بيانات واضحة.
الخبر: في سوق العمل، ذكر باول أن البطالة كانت 4.4% في ديسمبر، وأن إجمالي الوظائف غير الزراعية انكمش بمتوسط 22 ألف شهرياً خلال آخر 3 أشهر، بينما ارتفعت وظائف القطاع الخاص بمتوسط 29 ألف شهرياً (بعد استبعاد الوظائف الحكومية). وأرجع جزءاً كبيراً من تباطؤ نمو الوظائف إلى تباطؤ نمو قوة العمل بسبب انخفاض الهجرة ومعدلات المشاركة، مع اعترافه بأن الطلب على العمل قد هدأ أيضاً.
التحليل والتأثير المحتمل: باول هنا يقدّم “تفسيراً هيكلياً” وليس “إنذاراً ركودياً”. إذا كان ضعف الوظائف ناتجاً جزئياً عن تباطؤ المعروض (قوة العمل)، فذلك يقلل الحاجة لخفض عدواني. لكن الاعتراف بتراجع الطلب يعني أن أي تدهور إضافي في البيانات قد يغير نبرة الفيدرالي سريعاً.
الخبر: عن التضخم، قال باول إن تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) بلغ نحو 2.9% على أساس 12 شهراً حتى ديسمبر، بينما بلغ الأساسي نحو 3.0%. ولفت إلى أن ارتفاعات التضخم الحالية تعكس بدرجة كبيرة تضخم السلع “المدعوم بآثار الرسوم/التعريفات”، في حين أن تباطؤ تضخم الخدمات يبدو مستمراً. كما أشار إلى تراجع توقعات التضخم قصيرة الأجل وبقاء التوقعات طويلة الأجل متسقة مع هدف 2%.
التحليل والتأثير المحتمل: هذا أهم “نقطة تسعير” اليوم: الفيدرالي يرى أن جزءاً من التضخم الحالي ليس فقط طلباً محلياً، بل “صدمة تكلفة” مرتبطة بالرسوم. هذا يجعل خفض الفائدة سلاحاً أقل فعالية ضد التضخم، ويزيد احتمال أن يتعامل الفيدرالي ببطء وحذر كي لا يحوّل صدمة الأسعار إلى ترسّخ طويل في التوقعات.
الخبر: باول وصف موقف السياسة النقدية بأنه مناسب بعد خفض الفائدة 75 نقطة أساس خلال الاجتماعات الثلاثة السابقة، وأن المستوى الحالي بات ضمن نطاق تقديرات “المعدل الحيادي”، مؤكداً أن السياسة ليست على “مسار مُسبق”، وأن القرارات ستكون “اجتماعاً بعد اجتماع” بحسب البيانات.
التحليل والتأثير المحتمل: عندما يقول رئيس الفيدرالي “حيادي” و“اجتماعاً بعد اجتماع”، فهو يعلن بوضوح أن السوق لن يحصل على “وعد” بل على “احتمالات”. هذا يرفع قيمة إدارة المخاطر: تقليل الرافعة قبل البيانات، والتركيز على نقاط الانعكاس الفنية المرتبطة بمواعيد التضخم والوظائف.
ثالثاً: ردود فعل الأسواق (الدولار، الذهب، الأسهم، البيتكوين)
الخبر: رد فعل الأسواق جاء محدوداً: تراجع طفيف في الأسهم الأمريكية بعد البيان، مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات قرب 4.27%، واحتفاظ الدولار بمكاسبه أمام العملات الرئيسية (تراجع اليورو بنحو 1% وهبوطه قرب 1.1916، وارتفاع الدولار أمام الين قرب 153.9).
التحليل والتأثير المحتمل: القراءة الفعلية: الفيدرالي لم يفتح “باب التخفيضات” اليوم، بل أبقاه موارباً ومشروطاً. وهذا عادةً يدعم الدولار نسبياً ويمنع العوائد من الهبوط الحاد، ما يضع سقفاً لحماس الأصول عالية المخاطر إلا إذا جاءت البيانات القادمة أكثر ضعفاً.
الخبر: الذهب ظل مدعوماً قرب قمم تاريخية، حيث دارت الأسعار أعلى 5,200 دولار للأونصة خلال تداولات اليوم.
التحليل والتأثير المحتمل: بقاء الذهب قرب القمم رغم تثبيت الفائدة يشير إلى أن “قصة الذهب” حالياً ليست فائدة فقط؛ بل مزيج من تحوطات: مخاطر تضخم تكاليف (رسوم/تعريفات)، ومخاطر سياسية/تجارية، وتذبذب مرتفع في الدولار والعوائد. هذه بيئة تميل لصالح الذهب كأداة تحوط متوسطة الأجل حتى مع غياب خفض فوري للفائدة.
الخبر: العملات الرقمية تحركت بتذبذب وارتداد محدود، مع تداول البيتكوين قرب منطقة 88,000 – 90,000 دولار تقريباً خلال اليوم.
التحليل والتأثير المحتمل: الكريبتو لم يعد “رهان فائدة” فقط؛ بل يتفاعل مع السيولة العالمية وشهية المخاطرة وتحركات الدولار. تثبيت الفائدة وحده لا يصنع موجة صعود مستدامة، لكنه قد يخفف ضغط التشديد ويُبقي حركة الأسعار رهينة مزاج المخاطرة والبيانات الأمريكية القادمة.
رابعاً: الخلاصة والتأثير على المتداولين
الخلاصة ببساطة: الفيدرالي ثبّت الفائدة وأبقى التضخم في دائرة الاتهام، لكنه اعترف باستقرار سوق العمل بعد تباطؤ تدريجي. باول قدّم إطاراً واضحاً: التضخم ما يزال أعلى من الهدف، وجزء منه مرتبط بعوامل تكلفة (الرسوم)، لذا لن ترى “تيسيراً عدوانياً” إلا إذا تدهورت البيانات بوضوح. عملياً، المرحلة القادمة هي مرحلة “تداول على البيانات”: إدارة مخاطرة أكثر صرامة، تقليل الإفراط في الرافعة قبل البيانات، وبناء سيناريوهات متعددة بدل سيناريو واحد.
![]()

التعليقات